الخطيب الشربيني

156

مغني المحتاج

فتاوى القفال : لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينة بذهاب ماله . فرع : لو حلف أن يوفي زيدا دينه في وقت كذا ثم ادعى الاعسار قبل الاجل عدم الحنث إلا أن يعرف له مال كذا ، أجابني به شيخي . وهي مسألة كثيرة الوقوع . ( وتقبل بينة الاعسار ) وإن تعلقت بالنفي لمكان الحاجة ، كالبينة على أن لا وارث سوى هؤلاء . ( في الحال ) قياسا على غيرها . ( وشرط شاهد ) ليقبل وهو اثنان ، ( خبره باطنه ) أي المعسر لطول جوار ، أو مخالطة ونحوها فإن المال يخفى فلا يجوز الاعتماد على ظاهر الحال . فإن عرف القاضي أن الشاهد بهذه الصفة فذاك وإلا فله اعتماد قوله إنه بها ، كذا نقلاه عن الامام وهو صرح بنقل ذلك عن الأئمة . وذكر الشيخان في الكلام على التزكية أن القاضي لا بد أن يعرف أن المزكي من أهل الخبرة ، أو أن يعرف من عدالته أنه لا يزكي إلا بعد وجودها . قال الأسنوي : وينبغي أن يكون هذا مثله اه‍ . وهو ظاهر . هذا في الشاهد بالاعسار ، أما الشاهد بالتلف فلا يشترط فيه الخبرة الباطنة ، وحينئذ فيصدق بيمينه في إعساره . ( وليقل ) أي شاهد الاعسار وهو اثنان كما مر . ( هو معسر ، ولا يمحض النفي كقوله لا يملك شيئا ) لأنه لا يمكنه الاطلاع عليه بل يجمع بين نفي وإثبات فيقول كما قال الشيخان : هو معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه . قال البلقيني : وهذا غير صحيح لأنه قد يكون مالكا لغير ذلك وهو معسر ، كأن يكون له مال غائب بمسافة القصر فأكثر ولان قوت يومه قد يستغنى عنه بالكسب ، وثياب بدنه قد تزيد على ما يليق به ، فيصير موسرا بذلك ، فالطريق أن يشهد أنه معسر عاجز العجز الشرعي عن وفاء شئ من هذا الدين أو ما في معنى ذلك اه‍ . وهو حسن . وأفاد التعبير بالشاهدين أنه لا يكفي رجل وامرأتان ولا رجل ويمين ، وأنه لا يشترط ثلاثة . وأما قوله ( ص ) فيما رواه مسلم لمن ذكر له أن جائحة أصابت ماله وسأله أن يعطيه من الصدقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ، فمحمول على الاحتياط . وسكوت المصنف عن تحليفه مع بينة الاعسار يشعر بأنه لا حاجة إليه ، وليس مرادا ، بل يجب تحليفه على إعساره باستدعاء الخصم لجواز أن يكون له مال في الباطن . ولو كان الحق لمحجور عليه أو غائب أو جهة عامة لم يتوقف التحليف على الطلب ، وإنما يحلف بعد إقامة البينة كما قاله القفال . ولا يحلف من أقام البينة على إتلاف ماله بلا خلاف لأن فيه تكذيب البينة . وله تحليف الغرماء أنهم لا يعرفون إعساره إذا ادعاه عليهم ، فإن نكلوا حلف وثبت إعساره كما مر ، وإن حلفوا حبس ، فإن ادعى ثانيا وثالثا وهكذا أنه بان لهم إعساره حلفوا حتى يظهر للحاكم أن قصده الايذاء ، ولو ثبت إعساره فادعوا بعد أيام أنه استفاد مالا وبينوا الجهة التي استفاد منها فلهم بحليفه إلا أن يظهر منهم قصد الايذاء . وإذا شهد على مفلس بالغني فلا بد من بيان سببه لأن الاعدام لما لم يثبت إلا من أهل الخبرة كذلك الغني ، قاله القفال في فتاويه . ولو وجد في يد المعسر مالا فأقر به لشخص وصدقه أخذه منه ولا حق فيه للغرماء . ولا يحلف المعسر أنه ما واطأ المقر له على الاقرار ، لأنه لو رجع عن إقراره لم يقبل ، وإن كذبه المقر له أخذه الغرماء ولا يلتفت إلى إقراره به لآخر لظهور كذبه في صرفه عنه ، وإن أقر به لغائب انتظر قدومه فإن صدقه أخذه وإلا أخذه الغرماء . ولو أقر به لمجهول لم يقبل منه كما اقتضاه كلامهم ، وصرح به الروياني وغيره . والظاهر كما قال الأذرعي أن الصبي ونحوه كالغائب . نعم إن صدقه الولي فلا انتظار . ولو تعارض بينتا إعسار وملاءة كلما شهدت إحداهما جاءت الأخرى فشهدت بأنه في الحال على خلاف ما شهدت به ، فهل يقبل ذلك أبدا ويعمل بالمتأخر ؟ أفتى ابن الصلاح بأنه يعمل بالمتأخر منهما وإن تكررت إذا لم ينشأ من تكرارها ريبة ، ولا تكاد بينة الاعسار تخلو عن ريبة إذا تكررت . ( وإذا ثبت إعساره ) عند القاضي ( لم يجز حبسه ولا ملازمته بل يمهل حتى يوسر ) للآية السابقة ، بخلاف من لم يثبت إعساره فيجوز حبسه وملازمته . نعم الأصل ذكرا كان أو غيره وإن علا لا يحبس بدين الولد كذلك وإن سفل ولو صغيرا أو زمنا لأنه عقوبة . ولا يعاقب الولد بالولد ، ولا فرق بين دين النفقة وغيرها . وكذا لا يحبس المكاتب بالنجوم ولا المستأجر عينه وتعذر عمله في الحبس تقديما لحق المستأجر كالمرتهن ، فإن